محمد بن الطيب الباقلاني

182

إعجاز القرآن

مكر مفر مقبل مدبر معا * كجلمود صخر حطه السيل من عل ( 1 ) وقوله أيضا : له أبطلا ظبي وساقا نعامة * وإرخاء سرحان وتقريب تتفل ( 2 ) فأما قوله " قيد الأوابد " ، فهو مليح ، ومثله في كلام الشعراء وأهل الفصاحة كثير ، والتعمل بمثله ( 3 ) ممكن . وأهل زماننا الآن يصنفون نحو هذا تصنيفا ، ويؤلفون المحاسن تأليفا ، يوشحون به كلامهم . والذين كانوا من قبل - لغزارتهم ( 4 ) - / وتمكنهم - لم يكونوا يتصنعون لذلك ، وإنما كان يتفق لهم اتفاقا ، ويطرد في كلامهم اطرادا . وأما قوله في وصفه : " مكر مفر " ، فقد جمع فيه طباقا وتشبيها . وفى سرعة جرى الفرس للشعراء ما هو أحسن من هذا وألطف . وكذلك في جمعه بين أربعة وجوه من التشبيه في بيت واحد - صنعة . ولكن قد عورض فيه وزوحم [ عليه ] ( 5 ) والتوصل إليه يسير ، وتطلبه ( 6 ) سهل قريب . وقد بينا لك أن هذه القصيدة ونظائرها تتفاوت في أبياتها تفاوتا بينا في الجودة والرداءة ، والسلاسة والانعقاد ، والسلامة والانحلال ، والتمكن [ والاستصعاب ] ( 7 ) والتسهل والاسترسال ، والتوحش والاستكراه ، وله شركاء في نظائرها ، ومنازعون في محاسنها ، ومعارضون في بدائعها . ولا سواء كلام ينحت من الصخر تارة ، ويذوب تارة ، ويتلون تلون الحرباء ، ويختلف اختلاف الأهواء ، ويكثر في تصرفه اضطرابه ، وتتقاذف ( 8 ) به أسبابه . وبين قول يجرى في سبكه على نظام ، وفى رصفه على منهاج ، وفى وضعه على حد ، وفى صفائه على باب ، وفى

--> ( 1 ) انظر شرحه في طبقات فحول الشعراء ص 69 ( 2 ) انظر شرحه في طبقات فحول الشعراء ص 70 ( 3 ) م : " والتعمل لمثله . . . زماننا اليوم " ( 4 ) م : " لغرائزهم " ك : " لغرارتهم " ( 5 ) الزيادة من م ( 6 ) م : " والتطلب له " ( 7 ) الزيادة من م ( 8 ) م : " وتتفاوت "